You are here

Revision of التطهير العرقي from Thu, 11/11/2021 - 22:09

المؤلف/ة
حُدّث بتاريخ:
9 آب/أغسطس 2021
معلومات بيبليوغرافية

يصنَّف التطهير العرقي اليوم حسب القانون الدولي على أنَّه جريمة ضد الإنسانية، ويجب أن يخضع مرتكبوه للمحاكمة؛ فأُسّست محكمة دوليَّة خاصة في لاهاي لمحاكمة المتهمين بالتطهير العرقي في يوغوسلافيا، وأُسّست محاكم شبيهة في أروشا، وتنزانيا للنظر في قضية رواندا. من المؤكد أنَّ جذور التطهير العرقي تعود إلى زمن قديم، وقد مورس منذ العصور التوراتية إلى العصر الحديث، بما في ذلك في ذروة الاستعمار خلال الحرب العالمية الثانية من قبل النازيين وحلفائهم. ولكن الأحداث التي وقعت في يوغوسلافيا بالتحديد هي التي أدت إلى بذل جهود لتعريف المفهوم، وهي الأحداث التي ما تزال تشكل نموذجًا أوليًا للتطهير العرقي. على سبيل المثال، في تقريرها الخاص عن التطهير العرقي في كوسوفو، تُعرِّف وزارة الخارجية الأمريكية المصطلح على أنه "الإبعاد المنهجي والقسري لأعضاء مجموعة عرقية من المجتمعات من أجل تغيير التكوين العرقي لمنطقة معينة".[i]

وصف تقرير للكونغرس أُعد في آب 1992 للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، التطهير العرقي في صربيا على أنه "عملية نقل السكان التي تهدف إلى إخراج السكان غير الصرب من مناطق واسعة من البوسنة والهرسك"، وأشار التقرير إلى أن الحملة قد "حققت أهدافها بشكل كبير، أي منطقة يسكنها الصرب فقط. . . أُنشئت عبر الطرد القسري للسكان المسلمين الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة". ووفقًا لهذا التقرير، فإن العنصرين الرئيسيين للتطهير العرقي هما، أولاً، "الاستخدام المتعمَّد للمدفعية والقناصة ضد السكان المدنيين في المدن الكبرى"، وثانيًا، "النقل القسري للسكان المدنيين [وينطوي ذلك على] التدمير المنهجي للمنازل، ونهب الممتلكات الشخصية، والضرب، والقتل الانتقائي والعشوائي، والمذابح ".

وتوجد أوصاف مماثلة في تقرير مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (UNCHR) للعام 1993، الذي تم إعداده كمتابعة لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نيسان 1993، وأكد على "إدانته لجميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ممارسة "التطهير العرقي"".[ii] ويوضح التقرير كيف ترتبط رغبة الدولة في فرض حكم مجموعة عرقية واحدة على منطقة مختلطة بأعمال الطرد والعنف، ويصف التقرير عملية التطهير العرقي التي تتكشف حيث يتم فصل الرجال عن النساء واحتجازهم، وحيث تؤدي المقاومة إلى مذابح، ويتم تفجير القرى، وأما المنازل المتبقية فتسكنها لاحقًا مجموعة عرقية أخرى.

وإضافة إلى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، استخدم الأكاديميون أيضًا يوغوسلافيا كنقطة انطلاق لدراساتهم حول هذه الظاهرة؛ نشر درازين بتروفيتش واحدة من أكثر الدراسات شمولاً عن التطهير العرقي، ووصفه بأنه "سياسة محددة لمجموعة معينة من الأشخاص للقضاء بشكل منهجي على مجموعة أخرى من إقليم ما على أساس الأصل الديني، أو العرقي، أو القومي. وتتضمن مثل هذه السياسة العنف وغالبًا ما تكون مرتبطة بالعمليات العسكرية"[iii]. يربط بتروفيتش التطهير العرقي بالقومية، وإنشاء دول قومية جديدة، والنضال الوطني، مشيرًا إلى الارتباط الوثيق بين السياسيين والجيش في ارتكاب الجريمة: تفوض القيادة السياسية تنفيذ التطهير العرقي إلى المستوى العسكري، وعلى الرغم من أنها لا تقدم خططًا منهجية أو تقدم تعليمات صريحة، فليس هناك شك في الهدف العام.

بالنظر إلى هذا السياق في التسعينيات، بدأ مفهوم "التطهير العرقي" في الظهور في الدراسات حول التاريخ الإسرائيلي. وتكاد أوصاف التطهير العرقي تكون مطابقة تمامًا لما حدث في فلسطين في العام 1948. وتشكل الخطة المحكمة التي أعدتها القيادة الصهيونية للسيطرة على فلسطين عشية النكبة، وهي ما عرفت بالخطة "د" أو "دالت" سيئة السمعة، تمثيلًا حقيقيًا لأساليب التطهير الموصوفة في تقارير مختلفة حول يوغوسلافيا، وهي التي تحدد خلفية المذابح التي صاحبت عمليات الطرد. في الواقع، إذا لم نكن قد سمعنا أبدًا عن الأحداث في يوغوسلافيا في التسعينيات، ولم نكن نعلم سوى عن حالة فلسطين، سيكون من المبرَّر أن نعتقد أن النكبة كانت مصدر إلهام للأوصاف والتعريفات أعلاه، تقريبًا بجميع تفاصيلها.

لكن عندما يتعلق الأمر بانتزاع إسرائيل للفلسطينيين في العام 1948، هناك فجوة عميقة بين الواقع والصورة المنقولة عنه. وهو أمر محير للغاية، حيث من الصعب فهم كيف يمكن إنكار الأحداث التي ارتُكبت في العصر الحديث وشهدها المراسلون الأجانب ومراقبو الأمم المتحدة بشكل منهجي، ولم يُعترف بها حتى كحقيقة تاريخية، ناهيك عن الاعتراف بها كجريمة يجب مواجهتها سياسيًا وأخلاقيًا. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن التطهير العرقي في العام 1948، وهو الحدث الأكثر تأثيرًا في التاريخ الحديث لأرض فلسطين، قد تم استئصاله بالكامل تقريبًا من الذاكرة الجماعية العالمية، ومحوه من ضمير العالم.

حتى عندما يتم الاعتراف بقدر من المسؤولية الإسرائيلية عن اختفاء نصف السكان العرب في فلسطين (تستمر النسخة الرسمية للحكومة في رفض أي مسؤولية على الإطلاق، وتصر على أن السكان المحليين غادروا "طواعية")، فإن التفسير السائد هو أن هروبهم كان نتيجة مؤسفة ولكن لا مفر منها للحرب. لكن ما حدث في فلسطين لم يكن بأي حال من الأحوال نتيجة غير مقصودة، أو حدثاً عَرَضياً، أو حتى "معجزة"، كما أعلن لاحقًا أول رئيس لإسرائيل حاييم وايزمان. بل كان نتيجة تخطيط طويل ودقيق.

كانت إمكانية استيلاء اليهود في المستقبل على البلاد وطرد السكان الفلسطينيين الأصليين، حاضرة في كتابات الآباء المؤسسين للصهيونية، كما اكتشف الباحثون لاحقًا. ولكن فقط في أواخر الثلاثينيات، أي بعد عقدين من وعد بريطانيا في العام 1917 بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود (وهو وعد أصبح مكرسًا في الانتداب البريطاني على فلسطين في العام 1923)، بدأ القادة الصهاينة بترجمة رؤيتهم المجردة عن التفرد اليهودي وتحويلها إلى خطط أكثر واقعية. وفُتحت آفاق جديدة في العام 1937 عندما أوصت لجنة بيل الملكية البريطانية بتقسيم فلسطين إلى دولتين. ورغم أن الأراضي المخصصة للدولة اليهودية كانت أقل بكثير من الطموحات الصهيونية، إلا أن القيادة استجابت، مدركة أهمية الاعتراف الرسمي بمبدأ الدولة اليهودية حتى على جزء من فلسطين.

بعد عدة سنوات، في العام 1942، تم تبني استراتيجية أكثر تطرفًا عندما طرح الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون، في اجتماع في فندق بلتمور في نيويورك، مطالب لكومنولث يهودي على كامل فلسطين الانتدابية. وهكذا، تغيرت المساحة الجغرافية التي تطمع بها الحركة وفقًا للظروف والفرص، لكن الهدف الرئيسي ظل كما هو: تأسيس دولة يهودية بحتة في فلسطين، كملاذ آمن لليهود ومهد لقومية يهودية جديدة. وكان على هذه الدولة أن تكون يهودية حصريًا، ليس فقط في هيكلها الاجتماعي والسياسي ولكن أيضًا في تكوينها العرقي. بهذا المعنى، كانت الحركة الصهيونية حركة استعمارية استيطانية نموذجية مدفوعة بما أسماه العالم الراحل باتريك وولف منطق "إزالة/محو السكان الأصلانيين". أو بعبارة أخرى كان مشروعًا استعماريًا كلاسيكيًا للتهجير والاستبدال.

منذ العام 1937، لم تهدر الحركة الصهيونية بقيادة بن غوريون أي وقت للاستعداد لاحتمالية الاستيلاء على الأرض بالقوة إذا لم يتم منحها من خلال الدبلوماسية. وتضمنت هذه الاستعدادات بناء منظمة عسكرية فعالة والبحث عن موارد مالية أكثر وفرة (وتوجهوا لتحقيق ذلك لليهود في الشتات). من نواحٍ عديدة، كان إنشاء السلك الدبلوماسي الحديث أيضًا جزءًا لا يتجزأ من نفس الاستعدادات العامة التي تهدف إلى إنشاء دولة بالقوة في فلسطين. يجب أن نتذكر أن هذا الجزء من الاستعدادات تم بمعرفة سلطات الانتداب البريطاني ومساعدتها في كثير من الأحيان.

كان جانب آخر مهم من الاستعدادات للتطهير العرقي العام 1948 تراكم ملفات القرى من قبل المخابرات الصهيونية، وهي معلومات مفصلة عن كل قرية في فلسطين. نشأت فكرة جمع المعلومات التي قد تكون مفيدة في المستقبل خلال الثورة العربية (1936-1939)، عندما انضمت القوات الصهيونية إلى البريطانيين في مهاجمة القرى العربية وتنفيذ غارات عقابية. أُسندت المهمة في البداية إلى الصندوق القومي اليهودي (JNF) ثم نُقلت إلى جهاز المخابرات، وبحلول منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، كان لدى القيادة العسكرية الصهيونية ملفات عن كل قرية في فلسطين تقريبًا. وسُجّلت تفاصيل دقيقة حول الموقع الطبوغرافي لكل قرية، وطرق الوصول إليها، ونوعية الأرض، وينابيع المياه، ومصادر الدخل الرئيسية، وتكوينها الاجتماعي والسياسي، والانتماءات الدينية، وأسماء المخاتير، وعلاقتها بالقرى الأخرى، وأعمار رجال محددين من 16-50 عامًا، وأكثر من ذلك بكثير. وهناك تصنيف مهم هو مؤشر "العداء" (تجاه المشروع الصهيوني) وحُدّد من خلال مستوى مشاركة القرية في الثورة العربية 1936-1939. تضمنت المواد قوائم بأسماء جميع المشاركين في الثورة والعائلات التي فقدت أحد أفرادها في القتال ضد البريطانيين، وتم إيلاء اهتمام خاص للأشخاص الذين زُعم أنهم قتلوا يهودًا. في العام 1948، أُرسل "الرجال" في سن التجنيد بما في ذلك حتى من كانوا أطفالًا في سن العاشرة أو الثانية عشرة، إما إلى معسكرات الاعتقال بعد الاحتلال، أو تم طردهم أو حتى قتلهم في بعض الحالات.

تم دمج ملفات القرية في العام 1946 في خطة تسمى الخطة "ج" أو "جيمل" والتي بدأت في رسم الجانب العملي للتطهير العرقي المستقبلي. كان هذه الخطة ما تزال بعيدة المنال وغير مفصلة لأن مستقبل فلسطين الانتدابية لم يتقرر بعد. وبمجرد أن أعلن البريطانيون قرارهم مغادرة فلسطين في شباط 1947، تحركت القيادة العسكرية والسياسية الصهيونية خطوة أخرى إلى الأمام في التخطيط للطرد الجماعي للفلسطينيين من أي جزء من فلسطين التاريخية التي ستصبح الدولة اليهودية.

ساعد كل من قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947 والمحادثات السرية مع المملكة الأردنية الهاشمية في رسم الأولويات الإقليمية للدولة اليهودية المستقبلية؛ أولاً، كان من المفهوم أن ما سيكون اليوم الضفة الغربية لن تكون جزءًا من الدولة اليهودية المستقبلية بسبب تفاهم ضمني مع المملكة الهاشمية. ثانيًا، تقرر أنه حتى نهاية الانتداب (15 أيار 1948)، سيتم أولاً تطهير الأجزاء الممنوحة للحركة الصهيونية في قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة من سكانها الفلسطينيين. بدأت هذه العملية بشكل جدي بعد أن تبنت القيادة الصهيونية في 10 آذار 1948 خطة رئيسية أخرى لمستقبل فلسطين، الخطة د (دالت). وتُرجمت هذه الخطة إلى أوامر عملياتية حددت بوضوح لكل وحدة عسكرية في التنظيمات العسكرية الصهيونية، والتي أصبحت جيش الدفاع الإسرائيلي في 15 أيار 1948، أي القرى والبلدات يجب أن تحتلها، وتهدمها، وتطرد سكانها.

جرت عملية التطهير العرقي في تلك المرحلة في الأشهر من شباط إلى أيار 1948 تحت أعين البريطانيين، الذين ظلوا مسؤولين عن القانون والنظام حتى 15 أيار 1948، أي قبل دخول أي جيوش عربية إلى فلسطين لمساعدة وحدات المقاومة الفلسطينية الصغيرة، وهي وحدات شبه عسكرية بقيادة أمثال عبد القادر الحسيني وبمساعدة جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي. قامت القوات الصهيونية بتطهير عرقي لمعظم مدن فلسطين وعشرات القرى الفلسطينية. وانتهت بعض هذه العمليات، كأي حملة تطهير عرقي، بمجازر كان أشهرها مجزرة دير ياسين في 9 نيسان 1948.

تزايد الضغط في العالم العربي وحاولت جامعة الدول العربية تنسيق عملية إنقاذ عسكرية بدأت في 15 أيار 1948، وعلى الرغم من بعض النجاحات الأولية، إلا أنَّ مستوى الأداء العسكري، وانعدام الوحدة والتنسيق، والحظر البريطاني والفرنسي على مبيعات الأسلحة إلى الجيوش العربية، والقدرة العسكرية الكبيرة للقوات الصهيونية، أدى إلى عدم القدرة على منع المراحل التالية من التطهير العرقي في فلسطين.

بحلول نهاية العام 1948، أصبح نصف سكان فلسطين لاجئين، ودُمرت نصف قراها، وتم تجريد معظم مدنها (باستثناء الضفة الغربية وقطاع غزة) من السكان العرب. وبنت إسرائيل، على أنقاض القرى الفلسطينية، مستوطنات يهودية أو غابات ترفيهية.

علم العالم بهذه الجريمة ضد الإنسانية التي فاقمها رفض إسرائيل القاطع السماح بعودة اللاجئين بعد هدوء القتال. وأعلنت الأمم المتحدة دعمها لحق العودة بقرارها رقم 194 الصادر في 11 كانون الأول 1948، لكن العالم الغربي لم يجبر إسرائيل على قبوله، ولم يعترف بأن عملية التطهير العرقي كانت جارية، وعامل قضية اللاجئين على أنها قضية إنسانية فقط. وبهذه الرسالة الدولية، ليس من المستغرب أنه منذ العام 1948 في فترات تاريخية مختلفة وضد مجموعات فلسطينية مختلفة، استخدمت إسرائيل مزيدًا من التطهير العرقي في سعيها لتحويل كامل فلسطين إلى دولة يهودية فيها أقل عدد ممكن من الفلسطينيين. ولولا المقاومة والصمود الفلسطينيين، لكانت عملية التطهير العرقي هذه قد اكتملت الآن. لكنها ستكون غير مكتملة وربما تتوقف بشكل كامل ما دام الفلسطينيون يقاومونها وسيكون هناك عدد كافٍ من الناس في العالم على استعداد لمساعدتهم على تصحيح شرور الماضي ومنع شرور المستقبل.

الحواشي: 

[i] State Department Special Report, “Erasing History: Ethnic Cleansing in Kosovo,” 10 May 1999.

[ii] United Nations, “Report Following Security Council Resolution 819,” 16 April 1993.

[iii] Drazen Petrovic, “Ethnic Cleansing: An Attempt at Methodology,” European Journal of International Law 5, no. 3 (1994), pp. 342–60.