إن قدرة البشر على إحداث التغيير في حياتهم ومستقبلهم وفق تصورات وخطط ينتجونها، وينفذونها، بدون انتظار أفعال الطبيعة والارتهان لها، تشكل إحدى سمات بشريّتهم. ويتطلب إحداث التغيير المتعمد اجتماع عوامل مختلفة تعتمد على ما هو ممكن موضوعياً، وعلى مخيال وتصورات الذوات الساعية إلى التغيير، وعلى الإمكانات المتاحة لهم، وعلى قدرتهم على تحقيق تصوراتهم من حيث قدرتهم على تجنيد شرائح قادرة على الإخلال بالتوازنات القائمة (التي يزمعون تغييرها)، وشرعيتهم، وقدرتهم على إدامة العمل على التغيير، ووسائل تنظيمهم الكفيلة بتحويل تصورات وقناعات ورغبات المبادرين إلى إرادة جمعية كفيلة بإحداث التغيير.
ما نسعى إلى الوقوف عليه في هذا المشروع البحثي هو الشروط والمتطلبات والظروف اللازمة لإحداث تغيير بمبادرة نابعة من المجتمع وتعبر عن رؤيته لمصالحه، وتصوره لمستقبله، وليس التغيير الناجم عن التدخل الخارجي، أو التحولات التي تفرضها سلطة ما من أجل ترسيخ ما هو قائم. ويطمح المشروع إلى الوقوف على الشروط المشار إليها رغم صعوبة ونسبية التمييز بين الفعل الاجتماعي والأثر الخارجي، فلكل فاعل خارجي حلفاء داخل المجتمع (لا يمكن إنجاح وإدامة الفعل الخارجي من دونهم)، ولكل فاعل مجتمعي حلفاء خارجيين (على الأقل موضوعياً).
تتنوع أشكال وأدوات وتكتيكات واتجاهات التغيير. فهناك مراحل هدم ومراحل بناء. وهناك التغيير المتأتي عن التفاعل مع الاستعمار مثل النضال التحرري، وذلك الملازم للتحرر مثل بناء الدولة ومؤسساتها، وذلك الذي يواجه الهيمنة والقمع الداخليين مثل الثورة. وهناك أيضا حركات رجعية وأشكال من الردّة والثورات المضادة. وكلها تشترك في سعيها إلى التغيير. كما تمر المجتمعات بمراحل "استقرار نسبي" لا يشكّل التغيير معلماً بارزاً فيها. ولكن المعضلة التي تُقلق الكثيرين في فلسطين اليوم تكمن في وجود المجتمع في حالة يمكن وصفها بـ"السبات" – حالة من الهمود لا تبرز فيها أية مشاريع تغيير واعدة، ترافق شعوراً عارماً بالخمول وغياب الحول وانعدام القدرة، في ظل غياب تام للاستقرار. ويتطلب هذا الوضع البحث عن سبل الخروج من هذه الحالة، فاجتماع الهمود مع غياب الاستقرار ينذر بخطر الانهيار. وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا التشخيص بشكل جليّ في الحالة الفلسطينية، فإنه يشكل تشخيصاً ملائماً لحالات كثيرة حول العالم، وفي دول الجنوب العالمي بشكل خاص.
والسبب في وضوح التشخيص في الحالة الفلسطينية يكمن في تعاضد عدد كبير من الأعراض مثل غياب أجندة تحررية واضحة، وتراجع الفعل السياسي المنظم، وتفاقم ظاهرة العزوف والاغتراب السياسيّين لدى المجتمع، وبشكل خاص لدى الجيل الشاب، وتجاوز أمراض الانقسام عتبة ما يوصف بـ"المزمن"، واعتلال مختلف الاتجاهات السياسيّة بمرض الانقسام المزمن: اليمينيّة واليساريّة؛ والعلمانيّة والثيوقراطيّة وشبه الثيوقراطيّة؛ والقوميّة والأمميّة؛ والتقدميّة والرجعيّة. وما يؤكد التشخيص هو فشل حركة التحرر الفلسطيني في تحقيق أهدافها، ولو جزئيّاً.
لا بد من الإشارة إلى أن السبات، بحكم التعريف، يشكل حلقة مفرغة لا توجد سبل للخروج منها ولا يمكن البقاء فيها. والحل الوحيد، بالتالي، يكمن في كسر هذه الحلقة. ويتطلب كسر الحلقة المفرغة تعاضد الظروف الموضوعية والذاتية الضرورية لعمليّة الكسر. ويمكن تصنيف مجمل الشروط التي من الضروري اجتماعها من أجل الشروع في إحداث التغيير ونجاحه في ثلاث مجموعات:
تتعلق مجموعة الشروط الأولى ببنى النظام القائم، إذا يتطلب إسقاطه أن يكون ضعيف التماسك، فاقداً للشرعيّة أو يؤول إلى ذلك، ونخبه متصارعة ومستعدة لكسر الأحلاف القائمة، وألّا يشكل رصيداً استراتيجيّاً لقوة خارجيّة قادرة ومستعدة للتدخل من أجل بقائه، وذلك سواء لأنه ليس له قيمة استراتيجيّة للقوة أو القوى الخارجية، أو لأنه لم يعد قادراً على لعب الدور الوظيفيّ الذي جعله رصيداً استراتيجيّاً.
وتتعلق مجموعة الشروط الثانية بوجود قوى تسعى إلى إحداث التغيير، ولديها مشروع لذلك. ويعني ذلك وجود قوى مجتمعية، ليست جزءا من بنى النظام القائم، وليست في علاقات زبائنيّة مع نخبه المسيطرة تجعل من السهل احتوائها. ويعني كذلك وجود وعي لدى هذه القوى يمكّنها من تشكيل تصوّر على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي لمشروع التغيير، وأهدافه المرحلية والنهائية، وتحديد الحلفاء والأعداء الفاعلين الممكنين في مراحل المشروع المختلفة. وبطبيعة الحال، على هذه القوى أن تكون على دراية كافية بطبيعة وأوضاع النظام القائم وبنى نخبه وصراعاتها، وأن تكون قادرة على تقييم الظروف، واختيار اللحظات التاريخية المناسبة لتوجيه الضربات التكتيكية له، ولتحديد الضربة الاستراتيجية إذا سنحت الظروف.
أما مجموعة الشروط الثالثة، فتتعلق بتوفر الموارد والأدوات والتقنيات والمهارات الضرورية لقيام فاعلي التغيير بتنفيذ مشروعهم، وبقدرتهم على إنضاج الظروف الموضوعية من خلال مفاقمة أزمات النظام، وزلزلة استقراره، وحجب شرعيته، وفي نهاية الأمر، اكتساب الشرعية الضرورية لتشكيل البديل بعد وضع خطة عمل وهدف مقنع. كل هذه الشروط تلتقي عندما تتحول، عن طريق التنظيم، إلى منظومة تغيير بدلاً من مجموعة شروط مبعثرة ضروريّة للتغيير. وهذا التنظيم هو ما وفرته تاريخياً الأحزاب السياسية التي تتسم بامتلاكها تشخيص للحاضر ومشروع ورؤية للمستقبل، وخطط عمل، وقنوات للتواصل وصنع القرارات، وأدوات لتنفيذ مشاريعها. وبكلمات أخرى، شكلت الأحزاب السياسية حاضنة شاملة لمجموعة الشروط الثالثة، التي توفر مقومات التغيير الاجتماعي: عمل جماعي منظم ذات هدف واضح وآليات عمل ناجعة وكافية.
ما يسعى إليه هذا المشروع البحثي هو الوقوف على طبيعة الظروف الذاتيّة (المجموعتين الثانية والثالثة من الشروط الموصوفة أعلاه)، ومقومات فاعليتها. وفي الوقت الذي نولي فيه الاهتمام لمجموعة الشروط الثانية المتعلقة بشكل ومحتوى مشروع التغيير، وكفاءة أصحابه، غير أننا نفترض أن معضلة الحلقة المفرغة تكمن بشكل أساسي في المجموعة الثالثة، التي يتجلى عدم توفرها بغياب فاعلية الأحزاب السياسية، واغتراب الناس عنها. وحتى ولو كان هذا العزوف مرتبط بغياب المشروع المناسب، وهو تشخيص يحظى بإجماع واسع في فلسطين، إلا أن المرشح لصوغ المشروع في الظرف الراهن هو الأحزاب السياسيّة، ما يعيدنا إلى الحلقة المفرغة.
ولأن الخروج من الحلقة المفرغة يتطلب كسرها، ما يعني ضرورة وجود قوى تغيير مجتمعي فاعلة تسعى إلى كسرها، ولما كان هناك احتمال قوي أن الأحزاب السياسية، في أوضاعها الراهنة على الأقل، تشكل جزءا من الحلقة، تنشأ حاجة إلى بنى قادرة على تنظيم عمل جماعي هادف من أجل الاضطلاع بعملية الكسر، وإحداث التغيير.
شهدت فلسطين وشتاتها أنماطاً عديدة للعمل الجماعي المنظم، الجماهيري والنخبوي، شمل العمل الحزبي، والأهلي، بما في ذلك النقابي، والثقافي؛ والسلمي والمسلح؛ في الوطن وفي الشتات؛ في أطر وطنيّة ودينية؛ ومدنيّة وعشائريّة؛ وقوميّة وأمميّة. وأخذ هذا العمل مناحي اقتصادية وإعلامية وبحثية وغيرها، واستخدم أشكال تنظيم قطاعيّة، وأيديولوجيّة، ومناطقية، ومحلية. وقد اتّسم هذا العمل بالريادة في مراحل مختلفة وحقّق نجاحات مشهود لها، ولكنّه فتر، واضمحلّ، وبات يتّسم بالتشرذم وغياب الفاعليّة، إلى درجة دعتنا أن نصف حاله بالسبات، ولكن الحاجة إليه ما تزال قائمة، بل شديدة. أما الأنماط الجديدة والمستجدة مثل العمل الدبلوماسي، والنضال الفردي، والحشد النخبوي، والمناصرة المهنية، ومبادرات تأسيس حراكات اجتماعية في فلسطين وفي الشتات، وغيرها من أشكال برزت في مرحلة تراجع العمل الجماهيريّ بشكليه الحزبيّ والأهليّ، بما في ذلك تلك التي اتخذت مناحي غير سياسية، مثل القانونية والمهنية وما شابه، فلم تتمكن من كسر الحلقة المفرغة، ولا حتى تحريك حالة السبات، ولذلك لا يمكن التعويل عليها للخروج من حالة السبات.
ولما صارت أزمة المشروع التحرري الفلسطيني تبدو مزمنة، بعد انكشاف عجز المشاريع السياسية القائمة بصيغها الحالية عن إيجاد الأجوبة حول الأسئلة الملحة للقضية الفلسطينية بمستجداتها، يعود السؤال بصيغته الجذرية حول التغيير ليفرض نفسه على أجندة التحرر، وربما بإلحاحية أكثر من أي وقت مضى. ونقصد بالسؤال الجذري حول التغيير، البحث المعمّق بماهية التغيير المنشود وشروطه، استراتيجية الوصول إليه وتكتيكاته، وطبيعة الحامل الاجتماعي لمشروع التغيير وتحالفاته الموضوعية.
وفي الوقت الذي ندرك فيه أن العودة إلى الماضي، الذي حمل معالم نجاح العمل التحرري، ليست خياراً، غير أنه ما من شك في أن المستقبل المنشود لن يكون منقطعاً عن الماضي والحاضر. ولذلك، يسعى هذا المشروع إلى الوقوف على عناصر، ومكونات، ومقومات التغيير الموجودة من خلال مراجعة مبادرات تغييرية اجتماعية والتمحيص في الظروف التي ساهمت في تشكلها، بالإضافة إلى خطوط تطورها وما آلت إليه أو أفضت عنه، لكي نتمكن من بناء نظرية مجذّرة للتغيير، تناقش شروط إحداث التغيير المجتمعي الكامنة لدى المجتمع من دون الإصرار على أشكالها وتجلياتها المعروفة. أي أن المشروع سيحاول الوقوف على مقومات ودور التنظيم في إحداث التغيير المجتمعي بدل الاكتفاء بنقاش أشكاله التاريخية، وسبل تشغيل أو تفعيل الأطر التنظيمية القائمة. وسيحاول الوقوف على متطلبات الطابع الجماعي للعمل (آليّات تشكل إرادة جمعية من مجموعة إرادات فردية) على التغيير بدل الاكتفاء بمراجعة الأطر الجماهيرية المعروفة تاريخيا.
سيقوم هذا المشروع البحثي بداية بتطوير شبكة مفاهيميّة صالحة لنقاش مقومات التغيير المجتمعي، وتعريفه، وتحديد عناصره الضرورية، بالاستناد إلى الإرث النظري الموجود وبالانطلاق من افتراض الحاجة إلى إعادة تشكيل أطر العمل بما يتلاءم مع التحولات في البنى الاجتماعية الاقتصادية السياسية التي فرضتها الحقبة النيوليبرالية (بما في ذلك تحول الاحتكارات الاقتصادية إلى فاعل سياسي مباشر – بدون وساطة الدولة)، ومع إدراكنا لوجودنا في مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي مختلف لا نستطيع تحديد كافة معالمه بعد. وكذلك من أجل الوقوف على طبيعة التغييرات المنشودة والممكنة في المستقبل على المديين القصير والمتوسط.
بعد تشكيل الشبكة المفاهيميّة المنشودة، سننتقل إلى دراسة وتوثيق مبادرات وتجارب تغييرية متنوعة وفي حقول مختلفة حزبيّة؛ ونقابيّة؛ واجتماعيّة وأهلية (كالنسويّة والشبابيّة والحقوقيّة)؛ وثقافيّة؛ واقتصادية (كالمبادرات الصناعية والزراعية التعاونية والاستثمارية الخاصة). والهدف من دراسة وتوثيق هذه المبادرات والتجارب هو أولاً، شحذ التصور النظري المجذّر؛ وثانياً، استخلاص مقوماتها التي تحتاج إلى إعادة إنتاج في المستقبل المنظور، والوقوف على عناصرها التي تشكل شرطاً وظيفياً لتحقيق مهمتها التغييريّة، وفصل بناها التي نجمت عن مأسستها الظرفيّة، والتي يحتمل أنها تحولت إلى عبء معيق لقيامها بوظيفتها، وفحص إمكانية إعادة دمج "السياسي" و"الاجتماعي" (اللذان فصلا عنوة في سياق الدولة القومية).
مشروع البحث:
